محمد بن جعفر الكتاني

422

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ولقي جماعة من فقهاء فاس وانتفع بهم ؛ كالشيخ سيدي الحاج ابن القاضي ، والفقيه أبي الحسن علي بن عمران ، والفقيه أبي عبد اللّه سيدي محمد الجزولي ، أخذ عن كل واحد منهم جزءا من مروياته ، وانتفع بدعائه . وكان في صغره يتردد مع والده لزيارة الشيخ سيدي أبي الطيب ابن يحيى دفين ميسور ، ودعا له مرة وقد غسل له لمعة من الدم كانت في ثوبه ؛ فقال له : « طهر اللّه قلبك من الدنس ، وفقهك في مذهب الإمام مالك بن أنس » . ولما خرج لطلب العلم والزيارة بحضرة مراكش ؛ لقي بها جماعة من العلماء والصلحاء أصحاب الشيخ الغزواني ، وانتفع بهم وبما سمع منهم من كلام الشيخ الغزواني ، ولقي في ابتداء أمره : سيدي [ 369 ] الحسن الدراوي ، وقرأ عليه علم الاعتقاد ؛ وكذلك على الشيخ أبي زكرياء سيدي يحيى بن عاشور التلمساني ، وهما عمدته في التوحيد . ولقي في زيارته للقطب مولانا عبد السلام بن مشيش جماعة من العلماء والصالحين ؛ منهم : أبو عبد اللّه سيدي محمد بن علي ابن ريسون ، ودعا له بالعلم والصلاح والبركة في عقبه ، ولما أراد الانصراف ؛ قال له : « زودك اللّه التقوى » . وكذلك لقي الشيخ سيدي عبد اللّه ابن حسّون ، وكان بفاس يتردد لزيارة أبي المحاسن سيدي يوسف الفاسي في كل جمعة ، مع أخيه سيدي أحمد ، وسمعا منه واستفادا . وعمدته في الطريق هو : الشيخ أبو الحسن سيدي علي الحارثي ، وهو الوارث له - كما ذكره بعضهم . وكان - رضي اللّه عنه - مواظبا على زيارة الصالحين الأحياء والأموات ، ويقول لتلامذته : « اعلموا - أيها الإخوان - أن الزيارة منها ربحنا نحن وكل من دللناه عليها ، والزائر للّه لا يرجع من زيارته خائبا قط ؛ إذا لم يضيع حق اللّه ، ولم تصحبه دنيا ولا سمعة ولا رياء » . وكان صواما قواما ، شاكرا تاليا ، ذاكرا ناصحا لعباد اللّه لا يدل تلامذته إلا على اللّه ، ولا يلهج إلا بذكره ، ولا يرقد إلا باسمه ، ولا ينتصر قط لنفسه ، ولا يبخل بديناره وفلسه ، يقنع باليسير من الرزق ، ولا يطمع في أحد من الخلق ، تاركا للفضول ، سالكا سبيل الرسول ، لا يلتفت لشيء من السمعة والرياء ، وليس عنده شيء من الدنيا ، زاهدا متقشفا متوكلا على ربه ، يطلب الدعاء ممن لقي من المؤمنين ، ويحسن الظن بسائر المسلمين ، ويقول لتلامذته وقصاده : « كل من رأيته فالخضر اعتقد ، وكل الليالي ليلة القدر فاجتهد » . وكان مجتهدا في تدريس العلم والقراءة ، وانتفع به خلق كثير من الطلبة والعامة ، إماما فقيها صوفيا حافظا مفسرا محدثا ، مسندا راوية ، ذا فنون وعلوم ، وله معرفة بعلم الأوفاق والجدول ، وأسرار الحروف والخواص ، واتساع في التصوف وكتب القوم .